ابن العربي
852
أحكام القرآن
أما بشّرك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكذا ؟ أما بشّرك رسول اللّه بكذا ؟ قال : فأقبل بوجهه ، فقال : إنّ أفضل ما بعد شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه أنى كنت على أطباق ثلاث « 1 » : لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول اللّه منى ، ولا أحبّ إلىّ أن يكون قد استمكنت منه فقتلته ، فلو متّ على تلك الحال لكنت من أهل النار . فلما جعل اللّه الإسلام في قلبي أتيت النبىّ فقلت : ابسط يمينك لأبايعك « 2 » ، فبسط يمينه . قال : فقبضت يدي . قال : مالك يا عمرو ؟ قال : قلت : أردت أن أشترط . قال : تشترط ما ذا ؟ قلت : أن يغفر لي . قال : أما علمت أنّ الإسلام يهدم ما قبله ، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأنّ الحج يهدم ما قبله ، وما كان أحد أحبّ إلىّ من رسول اللّه ، ولا أجلّ في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له « 3 » ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت ؛ لأنى لم أكن أملأ عيني منه ، ولو متّ على ذلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ، ثم ولينا أشياء ما أدرى ما حالي فيها ؛ فإذا أنا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار ؛ فإذا دفنتموني فسنّوا « 4 » علىّ التراب سنّا ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم ، وأنظر ما ذا أراجع به رسل ربّى . المسألة الثانية - قال علماؤنا : هذه لطيفة من اللّه سبحانه منّ بها على الخليقة « 5 » ؛ وذلك أنّ الكفار يقتحمون الكفر والجرائم ، ويرتكبون المعاصي ، ويرتكبون المآثم ، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذتهم لما استدركوا أبدا توبة ، ولا نالتهم مغفرة ؛ فيسّر اللّه عليهم قبول التوبة عند الإنابة ، وبذل المغفرة بالإسلام ، وهدم جميع ما تقدم ؛ ليكون ذلك أقرب إلى دخولهم في الدين ، وأدعى إلى قبولهم كلمة الإسلام ، وتأليفا على الملة ، وترغيبا في الشريعة ؛ فإنهم لو علموا أنهم يؤاخذون لما أنابوا ولا أسلموا . فقد روى مسلم أنّ رجلا كان فيمن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا ، سأل :
--> ( 1 ) في ل : ثلاث نفر . ( 2 ) في ل : فلأبايعك . ( 3 ) في ا : إجلالا منه . ( 4 ) أي ضعوه وضعا سهلا . ( 5 ) في القرطبي : على الخلق .